هل تكتب للعلاقة المميزة بين إسرائيل والولايات المتحدة الحياة؟
<p class=”rteright”>احتجاج على شحنات الأسلحة إلى إسرائيل أمام البيت الأبيض، واشنطن العاصمة، مايو 2024 (رويترز)</p>
في الثامن من مايو (أيار)، أكدت إدارة بايدن أنها أوقفت شحنة أسلحة كبيرة كانت سترسلها إلى الجيش الصهيوني، وهذه أكبر خطوة تتخذها الولايات المتحدة منذ عقود لكبح تصرفات إسرائيل. هذه الشحنة كانت تحوي قنابل يبلغ وزنها 2000 رطل، وهي أسلحة عادة ما تتجنبها الولايات المتحدة في حرب المدن، وقد خشي مسؤولو البيت الأبيض أن تستخدمها إسرائيل في عملية رفح في قطاع غزة. ولم يؤثر هذا القرار على عمليات نقل الأسلحة الأخرى. ومع ذلك فإن استعداد الإدارة الأميركية لاتخاذ تدابير كفيلة بتقييد سلوك إسرائيل بصورة ملموسة يظهر إحباطها المتزايد إزاء الحرب التي تخوضها الأخيرة منذ ما يقارب ثمانية أشهر في غزة.
لكن هذا الإعلان سلط الضوء أيضاً على الانقسام الحزبي المتزايد داخل الولايات المتحدة في شأن إسرائيل. لأشهر عدة، شعر بعض القادة الديمقراطيين في الكونغرس وعدد من الناخبين الديمقراطيين أن الإدارة كانت متسامحة للغاية مع سلوك إسرائيل في الحرب، وهم يعتقدون أن الدعم العسكري والمالي والسياسي الأميركي المفرط هو الذي سهّل هذه التصرفات. في مقلب مغاير، تعرض قرار بايدن بشأن القنابل لانتقادات شديدة من العشرات من أعضاء الكونغرس الجمهوريين، الذين وصفوه بأنه “بيدق في يد حماس” و”صديق مريع لإسرائيل”. وفي 19 مايو، ذهبت إليز ستيفانيك، النائبة الجمهورية عن ولاية نيويورك، إلى أبعد من ذلك، فسافرت إلى القدس وأدانت علناً سياسة بايدن في اجتماع مع مجموعة من أعضاء الكنيست الصهيوني.
تفتخر واشنطن بتقاليدها المتمثلة في دعم حزبيها الرئيسين، الجمهوري والديمقراطي، لإسرائيل، ولكن في الواقع، إن الانقسام الحزبي يزداد باطراد على مر السنين. لقد أصبح الناخبون الديمقراطيون، والأميركيون الأصغر سناً بصورة عامة، ينتقدون انتهاك إسرائيل المستمر لحقوق الإنسان في فلسطين وحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره. وقد أدت السياسات الشعبوية وغير الليبرالية التي ينتهجها رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو وحلفاؤه الثيوقراطيون في الائتلاف الحاكم إلى زيادة نفورهم. في المقابل، قدم الجمهوريون وعدد من المحافظين المتدينين دعماً مخلصاً وثابتاً لإسرائيل (بما في ذلك الدعم غير المقيد للحكومات الصهيونية اليمينية) باعتباره قناعة راسخة، وعلى نحو متزايد، اختباراً للولاء السياسي.
إن الميل المتزايد لتفسير العلاقة الثنائية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من خلال عدسة حزبية لا يقتصر على الجانب الأميركي وحده. على رغم الدعم القوي الذي قدمته إدارة بايدن لإسرائيل بعد السابع من أكتوبر (تشرين الأول) وخلال معظم فترات الحرب، وعلى رغم حقيقة أن الغالبية العظمى من اليهود الأميركيين صوتوا تاريخياً لمصلحة الحزب الديمقراطي، فإن الصهيونيين يظهرون تفضيلاً ملحوظاً لدونالد ترمب على جو بايدن. وخلافاً لما حدث في العقود الماضية، فإن الصهيونيين بغالبيتهم يوافقون أيضاً على تحدي قادتهم لتفضيلات السياسة الأميركية. وليس من الواضح ما إذا كانت هذه الغالبية منزعجة من احتمال انهيار العلاقات الأميركية – الصهيونية أو قلقة من فكرة أن التحدي الصهيوني قد يعرض في يوم من الأيام المساعدات العسكرية الواسعة النطاق التي تعتمد عليها إسرائيل للخطر.
لم تكن الحرب الحالية في غزة هي السبب في تصاعد التوتر بين الصهيونيين والأميركيين. في الواقع، تشير التطورات الاجتماعية والسياسية الأطول أمداً في كلا البلدين إلى أن “القيم المشتركة” الشهيرة التي عززت العلاقة لعقود من الزمن كانت تواجه تحديات بالفعل، لكن الحرب سلطت الضوء بوضوح على هذا التوتر والسياسات الحزبية التي تحركه. وهذا لا يعني أن البلدين يسيران على مسار تصادمي، لكنه يثير تساؤلات مهمة حول طبيعة التحالف في السنوات المقبلة.
الصداقة أولاً
من أجل فهم خطورة الخلاف الحالي، من المهم أن نتذكر أن التحالف الأميركي – الصهيوني صمد أمام خلافات كثيرة عبر عقود. في الماضي، افترض كل جانب أن العلاقة الأساس كانت قوية بما فيه الكفاية لتحمل التوترات أو حتى الأزمات. وعندما تعترض إدارة أميركية على السلوك الصهيوني أو تطلب تنازلات كبيرة، فمن الممكن أن تثير الجدل، لكن استطلاعات الرأي، حينما كانت متاحة، أشارت إلى أن الصهيونيين كانوا يذعنون للأميركيين، بغض النظر عمن كان في البيت الأبيض (ما لم يذكر خلاف ذلك، فإن البيانات التاريخية المذكورة هنا مصدرها قاعدة بيانات “داتا إسرائيل” Data Israel، التي يضمها موقع “المعهد الصهيوني للديمقراطية”).
لنأخذ إدارة كارتر على سبيل المثال. في انحراف عن مسار سياسة الولايات المتحدة التقليدي المتبع لعقود من الزمن، كان الرئيس جيمي كارتر أول رئيس أميركي يتحدث علناً في عام 1977عن الحاجة إلى وطن فلسطيني، في ملاحظة مرتجلة وعفوية أدلى بها خلال اجتماع مفتوح في قاعة مدينة ماساتشوستس. في ذلك الوقت كانت هذه الفكرة مرفوضة تماماً بالنسبة إلى اليهود الصهيونيين، وفي استطلاع أجري قبل عامين من ذلك الوقت، أيد 70 في المئة منهم مقاطعة منظمة التحرير الفلسطينية في الأمم المتحدة. حتى ستيوارت آيزنستات، الذي شغل منصب كبير مستشاري السياسة المحلية لكارتر، والمشارك بصورة كبيرة في سياسة الإدارة الأميركية في الشرق الأوسط، تفاجأ بما قاله كارتر، وعلق على ذلك في إحدى المقابلات قائلاً “كدت أقع من على مقعدي [من شدة الصدمة]”.
ومع ذلك، في عام 1978، استضاف كارتر مفاوضات كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل، محاولاً إقناع إسرائيل بالقيام بأمر غير مرغوب يتمثل في الانسحاب من سيناء، التي احتلتها بعد الحرب العربية الصهيونية عام 1967، ووضع القضية الفلسطينية بصورة مباشرة على جدول أعمال التفاوض. وعندما سئل اليهود الصهيونيون في شهر سبتمبر (أيلول) من ذلك العام عن مدى ثقتهم في كارتر، قال ما يقارب ثلثيهم إنهم يثقون به إلى حد ما أو بصورة كبيرة. وعلى نحو مماثل، خلال الأشهر القليلة الأولى للرئيس رونالد ريغان، عبرت الغالبية العظمى أيضاً من اليهود الصهيونيين، أي نسبة تراوح ما بين 63 و70 في المئة، عن ثقة كبيرة به في ما يتعلق بإسرائيل (لسوء الحظ واجه الباحثون تحديات لأن الاستطلاعات المحدودة لآراء المواطنين العرب في إسرائيل آنذاك كانت منفصلة عن تلك التي أجريت مع اليهود الصهيونيين، وغالباً ما كانت تطرح أسئلة مختلفة).
واستطراداً، حافظ الرئيس بيل كلينتون أيضاً على نسبة تأييد كبيرة في إسرائيل، حتى عندما كان يدعو إلى سياسات لا تحظى بشعبية. في عام 1994، بعد مرور عام على توقيع اتفاقات أوسلو المثيرة للجدل، أبدى 65 في المئة من الصهيونيين رضاهم إلى حد ما أو بصورة كبيرة عن كلينتون. وفي العام التالي، شهدت إسرائيل موجة من التفجيرات الانتحارية واغتيال رئيس وزرائها، وكان هناك ما يكفي من المخاوف في شأن الاتفاقات، مما دفع الصهيونيين إلى انتخاب نتنياهو، ومع ذلك، استمر التأييد لكلينتون بين الصهيونيين.
في صيف عام 2000، قبل أيام من استضافة كلينتون لقمة كامب ديفيد بين رئيس الوزراء الصهيوني إيهود باراك ورئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات، كشفت استطلاعات أجريتها بصفتي محللة في فريق عمل ستان غرينبيرغ، الذي كان يقدم المشورة لباراك، أن نسبة مماثلة تقريباً، توازي ثلثي اليهود الصهيونيين، أعطت كلينتون تقييماً إيجابياً، على رغم أن الصهيونيين كانوا يعلمون أن الولايات المتحدة ستضغط على إسرائيل لكي تقدم تنازلات كبيرة ومثيرة للجدل للفلسطينيين. وحتى بعد انهيار المحادثات واندلاع الانتفاضة الثانية، ظل كلينتون يحظى بشعبية كبيرة.
علاوة على ذلك، فإن أي زعيم إسرائيلي يتحدى رئيساً أميركياً بجرأة مفرطة قد يواجه عواقب سياسية خطرة في الداخل. في أوائل عام 1992، هدد وزير الخارجية الأميركي جيمس بيكر بحجب ضمانات القروض الأميركية بهدف ردع الزعيم الصهيوني اليميني إسحاق شامير عن استخدام الأموال لبناء المستوطنات. رفضت حكومة شامير الشروط الأميركية، ومن المعروف على نطاق واسع أن هذا الخلاف أسهم في خسارة شامير للانتخابات الصهيونية عام 1992. وبادر خليفته، إسحاق رابين، بتشكيل حكومة ذات توجهات يسارية وافقت بسرعة على وقف التوسع الاستيطاني في مناطق معينة وتجاوزت المأزق مع الولايات المتحدة (على رغم أن نمو المستوطنات استمر في نهاية المطاف).
يفضل الصهيونيون دونالد ترمب على جو بايدن بشكل ملحوظ
لكن ليس من الواضح أن كانت هذه الأنماط لا تزال قابلة للتطبيق اليوم على الإطلاق. على رغم دعم بايدن الكبير لإسرائيل في أعقاب هجوم السابع من أكتوبر وطوال فترة الحرب، فإن الصهيونيين لم يظهروا سوى تأييد فاتر له. في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 ويناير (كانون الثاني) 2024، في دراسات أجراها “المعهد الصهيوني للديمقراطية” ذكر المشاركون الصهيونيون بأن بايدن قدم دعماً راسخاً، ثم سئلوا عما إذا كان ينبغي على إسرائيل أن تمتثل لبعض المطالب الأميركية في المقابل، وفي كلا الاستطلاعين، قال عدد كبير من الصهيونيين (الأكثرية) إن على إسرائيل أن تتخذ قراراتها بنفسها عوضاً عن التنسيق مع واشنطن.
وفي منتصف شهر مارس (آذار)، وجد استطلاع للرأي أجرته شبكة “نيوز 12” الصهيونية أن الصهيونيين يفضلون ترمب على بايدن في الانتخابات الرئاسية الأميركية لعام 2024 بفارق 14 نقطة: 44 في المئة لترمب، مقابل 30 في المئة فقط لبايدن. وكان هذا قبل فترة طويلة من إعلان الإدارة قرارها بتعليق شحنة الأسلحة وقبل وقت قصير من إعلانها أنها ستفرض عقوبات على عدد قليل من المستوطنين العنيفين في الضفة الغربية.
وعلى غرار المواقف الأميركية تجاه القيادة الصهيونية، فإن المواقف الصهيونية تجاه الإدارات الأميركية تتوافق إلى حد كبير مع الانتماء السياسي: في استطلاع “نيوز 12″، قال ما يقارب ثلاثة أرباع أولئك الذين يدعمون ائتلاف نتنياهو إنهم يفضلون ترمب، في حين أن 55 في المئة من مؤيدي الأحزاب المعارضة لنتنياهو فضلوا بايدن. وفي الواقع، هذا الانقسام الحزبي هو نتيجة الديناميكيات والعوامل الاجتماعية والسياسية الراسخة لسنوات في كل من إسرائيل والولايات المتحدة.
استياء الديمقراطيين
في الأشهر التي سبقت إعلان بايدن عن تأخير شحنة الأسلحة، كان استياء الديمقراطيين من الحرب الصهيونية في غزة يتزايد. وكان الأعضاء التقدميون في الكونغرس يضغطون على إدارة بايدن لاتخاذ موقف أكثر صرامة ضد سياسات نتنياهو. وفي شهر مارس (آذار) الماضي، كسر زعيم الغالبية الديمقراطية في مجلس الشيوخ تشاك شومر، وهو ديمقراطي وسطي وداعم معروف لإسرائيل، التقاليد السابقة بانتقاده نتنياهو علناً وداعياً إلى إجراء انتخابات إسرائيلية مبكرة. وبنفس درجة الصراحة التي انتقد فيها السياسيون الحرب، أعرب جزء من الناخبين الديمقراطيين، وبخاصة الشباب الأميركيين وأولئك الذين ينتمون إلى اليسار، عن معارضتهم الشديدة لها. ويذكر أنه قبل أسابيع من إعلان بايدن عن تعليق إرسال القنابل التي تزن 2000 رطل، أظهر استطلاع للرأي أن غالبية كبيرة من الديمقراطيين، وغالبية ضئيلة من جميع الأميركيين، يؤيدون هذه الخطوة.
لكن هذه التطورات تظهر أيضاً اتجاهات ثابتة وطويلة المدى في الرأي الأميركي في شأن إسرائيل. ومن يذكر أنه، كما كان الحال في العقود الماضية، فإن غالبية كبيرة من الأميركيين تدعم إسرائيل. وقد استشهد نتنياهو نفسه باستطلاع أجراه مركز الدراسات السياسية الأميركية بجامعة هارفرد ومعهد هاريس Harvard CAPS/ Harris في شهر مارس والذي وجد أن 82 في المئة من البالغين الأميركيين يدعمون إسرائيل ضد حماس في الحرب الحالية. وفي الشهر التالي، كشف استطلاع أجراه المركز نفسه [Harvard CAPS/ Harris] أن 52 في المئة من الأميركيين أعطوا إسرائيل تقييماً “إيجابياً” أو “إيجابياً جداً”، مقابل 16 في المئة فقط للسلطة الفلسطينية، و14 في المئة لحماس (وهي نسبة ربما تعد مرتفعة بصورة مفاجئة، على رغم أن الحركة كانت الأقل تفضيلاً في قائمة تضم 18 دولة أو مجموعة). وحتى بين طلاب الكليات والجامعات، الذين حظيت احتجاجاتهم المؤيدة للفلسطينيين بتغطية واسعة النطاق، فإن الآراء حول الصراع الصهيوني – الفلسطيني أكثر توازناً بكثير مما تصوره وسائل الإعلام في كثير من الأحيان. على سبيل المثال، وجد استطلاع أجراه موقع “أكسيوس” في أوائل شهر مايو أن 83 في المئة (أي الغالبية الساحقة) من طلاب الكليات والجامعات الأميركية يعتقدون أن لإسرائيل الحق في الوجود.
ومع ذلك، ينتقد الأميركيون بصورة متزايدة السياسات الصهيونية تجاه الفلسطينيين. وفقاً لاستطلاعات “غالوب”، انخفضت نسبة الأميركيين الذين يقفون إلى جانب إسرائيل ضد الفلسطينيين من 64 في المئة في عام 2018 إلى 51 في المئة فقط في أوائل عام 2024. وكشفت استطلاعات “بيو” أيضاً عن انقسام حزبي آخذ في الاتساع حول هذه المسألة. ففي عام 2001، وقف 50 في المئة فقط من الجمهوريين إلى جانب إسرائيل، وبحلول عام 2018، ارتفعت هذه النسبة إلى 79 في المئة، على العكس من ذلك، انخفض عدد المؤيدين لإسرائيل بين الديمقراطيين من 38 في المئة في عام 2001 إلى 27 في المئة فقط في عام 2018. ويبدو أن هذا الانقسام قد تعزز في السنوات اللاحقة.
في الوقت نفسه، ظهرت فجوة كبيرة بين الأجيال في الولايات المتحدة من حيث وجهات نظرهم في شأن إسرائيل. وجد استطلاع أجراه مركز بيو في فبراير (شباط) 2024 أن 78 في المئة من الأميركيين الأكبر سناً (الذين تزيد أعمارهم على 65 سنة) يرون أن أسباب خوض إسرائيل للحرب مبررة، مقابل نسبة 38 في المئة فقط بين الذين تراوح أعمارهم ما بين 18 و29 سنة، أي بفارق 40 نقطة. وعلى رغم أن الطلاب في استطلاع “أكسيوس” وافقوا بغالبية ساحقة على حق إسرائيل في الوجود، فإن ما يقارب نصفهم، 45 في المئة، أيدوا التظاهرات في الحرم الجامعي “التي تسعى إلى مقاطعة إسرائيل والاحتجاج ضدها”، في حين عارضت نسبة 24 في المئة فقط هذه الإجراءات (وكان الباقون محايدين). كذلك، كشف استطلاع أجراه مركز الدراسات السياسية الأميركية بجامعة هارفرد ومعهد هاريس في أبريل (نيسان) عن أن المشاركين الذين تراوح أعمارهم بين 18 و24 سنة انقسموا بالتساوي تقريباً بين أولئك الذين يعتقدون أن إسرائيل هي المسؤول الرئيس عن “الأزمة في غزة” (49 في المئة) وأولئك الذين حملوا “حماس” المسؤولية في الغالب (51 في المئة). وعلى النقيض من ذلك، من بين الأشخاص الذين تزيد أعمارهم على 65 سنة، فإن نسبة الذين ألقوا اللوم على إسرائيل لم تتجاوز 14 في المئة.
بغض النظر عن الطريقة التي يفسر فيها سلوك الشباب الأميركيين خلال الحرب الحالية، ينبغي ألا تشكل هذه الاتجاهات مفاجأة: ففي غالب دول العالم الغربي، كثيراً ما يميل الشباب نحو الليبرالية والتقدمية. وفي الدول الغربية، غالباً ما تنطوي السياسات الليبرالية أو ذات الميول اليسارية على دعم الشعوب المضطهدة، وهو نمط ساعد في تأجيج الاحتجاجات المؤيدة للفلسطينيين بين الشباب الأميركيين. من المؤكد أن تفضيلات الشباب السياسية ستتطور بمرور الوقت، لكن الاتجاهات الحالية راسخة بما يكفي للتنبؤ بمسار مواقف الحزب الديمقراطي تجاه إسرائيل في المستقبل. ومن يذكر، أن الميول التقدمية بين الشباب في الغرب تبدو متناقضة مع توجهات الشباب الصهيونيين.
قاعدة بيبي الشبابية
على مدى 15 عاماً في الأقل، أظهرت الدراسات المتعمقة اتجاهات يمينية قوية بين الشباب اليهود الصهيونيين. هناك تفسيران مباشران لهذه الظاهرة. الأول هو التركيبة السكانية، إذ أصبح عدد الشباب اليهود الصهيونيين المتدينين أكبر مما كان عليه في العقود السابقة لأن الأسر المتدينة تميل إلى إنجاب عدد كبير من الأطفال، واليهود المتدينون في إسرائيل يميلون عادة إلى الأيديولوجيات اليمينية أكثر من اليهود الأقل تديناً. والتفسير الثاني هو البيئة السياسية السائدة في إسرائيل خلال العقدين الماضيين: لقد نشأ الشباب الصهيوني اليوم في حقبة نتنياهو التي اتسمت بالقومية اليمينية الشديدة. إنهم لا يحملون أي ذكريات عن سنوات أوسلو أو عملية السلام، فضلاً عن أنهم يتمتعون بخبرة كبيرة في الحرب، إذ ترعرعوا وسط جولات عديدة من القتال مع “حماس”، وهجمات صاروخية متكررة، وموجات من العنف المرتبط بالصراع.
في الواقع، تزامنت الميول اليمينية بين الناخبين الصهيونيين الشباب بصورة وثيقة مع جهود نتنياهو لجعل العلاقة الأميركية الصهيونية أكثر حزبية [أي مرتبطة بأحد الحزبين الحاكمين في الولايات المتحدة ومتماشية مع أجندته]. بعد فترة وجيزة من عودة نتنياهو إلى السلطة في عام 2009، كان عدد الصهيونيين الذين ينظرون بطريقة إيجابية إلى الرئيس باراك أوباما، أكبر من أولئك الذين كونوا آراء سلبية عنه. لكن نتنياهو ووكلاءه بدأوا في مهاجمة أوباما بصورة منهجية، وانتقدوه على وجه الخصوص بسبب اتخاذه مواقف كانت قريبة من الإجماع السياسي في ذلك الوقت، مثل دعمه عام 2011 لحل الدولتين باستخدام حدود عام 1967، وخطوط الهدنة لعام 1949، مع بعض التعديلات. وترددت أصداء اتهامات نتنياهو في الولايات المتحدة، إذ اتهم ميت رومني، المرشح الجمهوري للرئاسة في عام 2012، أوباما بـالتخلي عن إسرائيل.
وفي عام 2015، قام نتنياهو بمخاطرة أكبر، فانتهك أحد المحرمات الراسخة منذ زمن طويل، وألقى خطاباً في الكونغرس بناءً على دعوة أحادية الجانب من المشرعين الجمهوريين، إذ شن هجوماً شديداً على جهود إدارة أوباما الرامية إلى ضمان التوصل إلى اتفاق مع إيران من أجل كبح جماح برنامجها النووي. لماذا اتخذ نتنياهو هذه الخطوة المحفوفة بالأخطار مع أهم حليف لإسرائيل؟ كان يواجه حملة إعادة انتخاب شديدة التنافسية في ذلك الوقت، وراهن أن حنكته السياسية على المسرح العالمي من شأنها أن تساعد حملته، حتى لو كان ذلك يعني تحدي رئيس الولايات المتحدة بصورة مباشرة (وربما خصوصاً الرئيس أوباما).
لقد كان نتنياهو في الغالب على حق. مع ميل المجتمع الصهيوني بصورة متزايد نحو اليمين بحلول منتصف العقد الأول من القرن الـ21، فاز في الانتخابات الصهيونية بسهولة (على رغم إمكانية وجود تفسيرات مختلفة لهذه النتيجة)، والإهانة الموجهة لأوباما لم تثن هذا الأخير عن التوقيع على ما كان في ذلك الوقت واحدة من أكبر حزم المساعدات الأميركية في تاريخ الولايات المتحدة: 38 مليار دولار لإسرائيل على مدى 10 سنوات.
عندما انتخب ترمب رئيساً في عام 2016، صوره نتنياهو على أنه أفضل صديق لإسرائيل. وسرعان ما أصبح مصطلح “مؤيد لإسرائيل” يعني تبني سياسات ترمب المتمثلة في إذلال الفلسطينيين، واقتراح خطط لإسرائيل لضم أجزاء من الضفة الغربية، والاعتراف بالسيادة الصهيونية على مرتفعات الجولان، ونقل السفارة الأميركية إلى القدس. بالنظر إلى الأحداث الماضية، وبناءً على سجل إدارة ترمب تجاه إسرائيل، فليس من المستغرب أن ينظر إليه الصهيونيون بصورة إيجابية.
على النقيض من ذلك، فإن تاريخ بايدن الطويل كديمقراطي متفان في دعم إسرائيل، حتى قبل دخوله إلى المكتب البيضاوي، لم يجعل الصهيونيين متحمسين لتوليه الرئاسة. في أكتوبر 2020، قبل الانتخابات الأميركية في ذلك العام، وجد استطلاع أجراه المعهد الصهيوني للديمقراطية (IDI) أن 63 في المئة من الصهيونيين يفضلون إعادة انتخاب ترمب، في المقابل بلغت نسبة الذين فضلوا بايدن 17 في المئة فحسب. وبعد فوز بايدن، عدت نسبة أكبر حتى من الصهيونيين (73 في المئة)، وفقاً لاستطلاع آخر أجراه المعهد الصهيوني للديمقراطية، أن بايدن من المرجح أن يكون أسوأ بقليل أو أسوأ بكثير من ترمب بالنسبة إلى إسرائيل.
في الواقع، توضح هذه الأرقام أن انخفاض مستويات الدعم لبايدن في إسرائيل لا يرجع إلى التوترات الحالية في شأن الحرب في غزة فحسب، بل أيضاً إلى تغييرات جوهرية بين جمهور الناخبين الصهيونيين. علاوة على ذلك، في أعقاب الحرب، يمكن أن تتوسع الغالبية اليمينية أكثر في إسرائيل، حتى مع تزايد استياء الناخبين الأميركيين من سلوك إسرائيل.
فقدان التوازن
إن الرأي العام يتقلب باستمرار، لذا ليس من المفترض أن تكون استطلاعات الرأي هي التي تحرك السياسة. في إحدى المقابلات، أشار السفير الصهيوني السابق لدى الولايات المتحدة مايكل أورين إلى أن الرأي الصهيوني تجاه الولايات المتحدة لا يؤثر كثيراً في صناع السياسة الأميركيين (على رغم أن تداعياته قد تكون غير مباشرة لأنها تؤثر في رأي اليهود الأميركيين). لكن في الماضي، لعبت المواقف الصهيونية الإيجابية بصورة عامة تجاه الرئيس الأميركي في بعض الأحيان دوراً في منح الرئيس السلطة اللازمة لتعزيز سياسات داخل إسرائيل تتماشى مع المصالح الأميركية. في هذا السياق، أشار آيزنستات إلى أن فريق كارتر كان يراقب من كثب استطلاعات الرأي الصهيونية لمعرفة ما إذا كان الصهيونيون يدعمون جهود الرئيس للتوصل إلى سلام إسرائيلي مصري. ويتذكر آيزنستات أن الصهيونيين كانوا يدعمون ذلك بصورة عامة، وقد فهم فريقه بالتحديد مخاوف الشعب الصهيوني الأمنية التي يجب تلبيتها أثناء العمل على التفاصيل.
على النقيض من ذلك، في أبريل (نيسان) 2024، بعد أن جمعت الولايات المتحدة تحالفاً دولياً، يضم حتى دولاً عربية، لتقديم دعم عسكري استثنائي لإسرائيل، باستخدام دفاعاتها الجوية المشتركة من أجل إحباط هجوم صاروخي إيراني ضخم، لم تظهر الآراء الصهيونية في شأن إدارة بايدن أي تحسن. وفي أعقاب الهجوم، ذكر المعهد الصهيوني للديمقراطية الصهيونيين بهذا التحالف الفعال للغاية والذين سألهم عما إذا كانوا “سيوافقون الآن من حيث المبدأ على إنشاء دولة فلسطينية في المستقبل، مقابل اتفاق دفاع إقليمي دائم”. لكن الأرقام الصهيونية ظلت ثابتة، إذ إن الغالبية البالغة نسبتها 55 في المئة رفضت الفكرة، بينما وافقت عليها نسبة 34 في المئة فحسب. وكان معدل التأييد أقل حتى بين اليهود الصهيونيين، فلم يوافق على ذلك إلا 26 في المئة فحسب.
هناك فجوة متزايدة بين الناخبين الشباب في كلا البلدين.
ومع ذلك، يتابع الصهيونيون أيضاً بقلق الانقسام الحزبي المتزايد في الرأي الأميركي تجاه إسرائيل. وهم يعلمون جيداً أن بايدن، بينما يخوض حملة إعادة انتخابه الصعبة ضد ترمب، يراقب من كثب استطلاعات الرأي التي تبين له كيف تنظر الفئات الناخبة الأساس في الشعب الأميركي إلى مواقفه في شأن إسرائيل والحرب. بصورة غير رسمي، يعتقد عدد كبير من الصهيونيين أن بايدن رضخ لضغوط اليسار، وأن طلاب الجامعات الأميركية الذين كانوا يحتجون على الحرب في غزة غسلت أدمغتهم، وأن معاداة السامية ارتفعت إلى مستويات خطرة.
وتجدر الإشارة إلى أن الاختلاف المستمر في الرأي العام الأميركي والصهيوني ليس النتيجة الوحيدة المحتملة للوضع الحالي على المدى القريب. إذا نجح ترمب في هزيمة بايدن، وحافظ على السياسات التي تصب في صالح اليمين الصهيوني، فقد يتحول الخلاف الحالي بين البلدين، على المستوى الحكومي في الأقل، إلى اصطفاف يميني شعبوي. ولكن يبدو من المرجح أن التحولات التي حدثت بين الناخبين الأصغر سناً في كلا البلدين ستستمر في السنوات المقبلة، مما يشكل تحدياً كبيراً للحليفين في سعيهما للاتفاق على أجندة سياسية موحدة.
كان أساس العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل يرتكز ذات يوم على المصالح المشتركة، ولكن مع إيلاء القيم احتراماً كبيراً. ومن حيث المصالح، فإن السياق الجيوسياسي للحرب الباردة قد انتهى منذ فترة طويلة. لكن لا تزال لدى البلدين مخاوف إقليمية متداخلة. أما مسألة المبادئ المشتركة، فهي أكثر تعقيداً: فهل تستمر الدولتان في التمسك بالتزامهما بالديمقراطية، وخاصة الديمقراطية الليبرالية؟ لقد بدأت إسرائيل بالابتعاد عن تلك الهوية، وستقرر الولايات المتحدة مسارها الخاص في نوفمبر (تشرين الثاني).
لا يعرف كثير عن الوجهة التي سيسلكها كلا البلدين، بخاصة في ظل الحرب المستمرة والاضطرابات في إسرائيل. ولكن إذا تباعدت القيم الأساس الأميركية والصهيونية بصورة أكبر، قد لا ينظر قادة المستقبل في كلا البلدين إلى بعضهم بعضاً على أنهم منسجمون ومتقاربون. وفي هذه الحالة، فإن المصالح الاستراتيجية المشتركة من الممكن أن تضمن بقاء الدولتين حليفتين، لكنهما قد تفقدان “العلاقة المميزة” التي اعتمدتا عليها في الماضي.
داليا شيندلين خبيرة في مجال استطلاعات الرأي وزميلة سياسية في مركز “سانتشوري إنترناشيونال” Century International وكاتبة عمود في صحيفة “هآرتس”، وألفت كتاباً بعنوان “عود الديمقراطية الأعوج في إسرائيل” The Crooked Timber of Democracy in Israel: Promise Unfulfilled
مترجم من “فورين أفيرز” 23 مايو 2024
إضافة تعليق