لماذا تتزايد جرائم قتل الزوجات لأزواجهن في الهند؟
<p>العروسان راجا راغونشي وسونام (مواقع التواصل)</p>
انطلق العروسان راجا راغونشي (30 سنة) وسونام (25 سنة) من مدينة إندور في ولاية ماديا براديش، في رحلة شهر عسل حالمة إلى ميغالايا، وهي ولاية صغيرة تقع في شمال شرقي الهند وتتميز بوفرة من المناظر الطبيعية الخلابة والنادرة. ودعهما أهلهما بقلوب مفعمة بالأمل والدعاء، متمنين لهما بداية سعيدة لحياة زوجية مكللة بالحب. لكن خلف ملامح الفرح، كانت سونام تخفي سراً قاتلاً، إذ لم تحمل معها فقط أحلامها، بل اصطحبت أيضاً ثلاثة قتلة مأجورين. وفي الـ23 من مايو (أيار) الماضي، وبحضورها، نفذوا جريمتهم بدم بارد، فقتلوا راجا وألقوا بجثمانه في وادٍ سحيق. وعادت سونام، لا كأرملة مكلومة، بل برفقة عشيقها السابق. لقد هزّت هذه الحادثة البلاد.
ولم تعُد مثل هذه الحوادث نادرة في الهند، فقبل أيام قليلة، في منطقة أورنغ أباد بولاية بيهار، قُتل شاب يبلغ من العمر 25 سنة على يد زوجته بعد 45 يوماً فقط من زواجهما. ووفقاً للشرطة، تآمرت العروس الشابة غونجا ديفي مع خالها الأمومي جيفان سينغ (55 سنة) الذي كانت تربطها به علاقة غير شرعية، لقتل زوجها بريانشو، واستعانا برماة محترفين. وغونجا التي لا تتجاوز الـ20 من العمر دبرت المؤامرة بأكملها.
اتجاه مقلق
في حين أن جرائم العنف المنزلي والقتل الزوجي في الهند كانت تقليدياً تتركز على العنف ضد المرأة، كشفت الأعوام الأخيرة عن اتجاه مقلق، نساء يقتلن أزواجهن. وتتوالى التقارير في الصحف والقنوات الإخبارية والإعلام الاجتماعي عن زوجات زعمن أنهن قتلن أزواجهن بمساعدة عشّاق أو أقارب مقربين. ووتيرة هذه الحالات ووحشيتها أثارت قلق الخبراء الذين يعتقدون بأنها ليست مجرد صدفة، بل تعكس واقعاً اجتماعياً متغيراً. ويرى المراقبون أن الهند التي عُرفت يوماً بممارسة “الساتي” الوحشية، حين كانت الأرامل يحرقن أحياء على محارق أزواجهن، تواجه اليوم نوعاً جديداً من أنواع العنف الأسري، يتمثل في تزايد حالات قتل الأزواج على يد زوجاتهم.
ووفقاً لتقرير غير حكومي، سُجلت 785 حالة قتل أزواج على يد زوجاتهم في خمس ولايات هندية بين عامي 2024 و2025. وبالمقارنة، سُجلت 271 حالة مماثلة عام 2022. وعلى رغم هذا الاتجاه المتصاعد وعلى رغم أن عدد النساء اللواتي يُقتلن على يد الرجال لا يزال أعلى في الهند، فإن الزيادة الحادة في حالات القتل الزوجي التي ترتكبها النساء خلال السنوات الأخيرة أثارت دهشة كثر.
ويشير المحللون إلى أن العلاقات غير الشرعية والخلافات العاطفية تعد من الدوافع الرئيسة وراء هذه الجرائم. ومع ذلك، هناك عامل هيكلي رئيس أيضاً وهو تعقيد إجراءات الطلاق وصعوبتها بموجب القانون الشخصي الهندوسي. فبموجبه، يعد الحصول على الطلاق أمراً بالغ الصعوبة ويستغرق وقتاً طويلاً، ويعتقد بأن هذا التعقيد القانوني يشكل دافعاً رئيساً في بعض هذه القضايا. ويقول الخبراء إنه في ظل غياب خيار قانوني واقعي للخروج من زواج مضطرب، قد تلجأ بعض النساء إلى اتخاذ إجراءات متطرفة.
أرقام غير رسمية
والحكومة لا تجمع بيانات رسمية عن حالات قتل الزوجات لأزواجهن، ومع ذلك تقدر منظمات حقوق الرجال بأن 271 زوجاً قتلوا على يد زوجاتهم عام 2022 وحده. وفي 218 من تلك الحالات، كانت العلاقات خارج الزواج الدافع الرئيس. واستمر هذا الاتجاه في 2023، وارتفع العدد إلى 306 حالات، ثلثاها ارتُكب بتخطيط مباشر من الزوجة. وتعتمد هذه الإحصاءات بصورة كبيرة على التقارير الإعلامية لأن المكتب الوطني لسجلات الجرائم (NCRB) لا يدرج هذه الحالات ضمن فئة منفصلة. ففي حين تتوافر بيانات عن الزوجات اللاتي قُتلن على يد أزواجهن، لا توجد فئة محددة لقتل الأزواج على يد الزوجات.
حوادث قتل بارزة
في يونيو (حزيران) الماضي، أطلقت صبا فردوس النار على زوجها ممتاز أحمد 17 مرة، في جريمة صوّرت في البداية على أنها محاولة سرقة، لكن التحقيقات كشفت لاحقاً عن تورط الزوجة بصورة مباشرة في التخطيط والتنفيذ. وفي يوليو (تموز) الجاري بولاية أوتار براديش، سلّمت بينا ديفي مسدساً لعشيقها لقتل زوجها سوريش كومار، بعد أن قامت بتخدير أطفالها لإبعادهم من مسرح الجريمة، إلا أن صراخ الأطفال أثار انتباه الجيران، مما دفع الشرطة إلى التدخل واعتقالها بعد الاشتباه الأولي.
أما أبشع هذه الحوادث، فوقعت في مدينة ميروت بأوتار براديش، حيث أقدمت مسكان راستوغي (26 سنة) على تخدير زوجها سوراب راجبوت وقتله وتقطيع جسده إلى أجزاء بمساعدة عشيقها ساحل. وأخفت بقايا الجثة داخل برميل مملوء بالأسمنت، سرعان ما تصلّب وتحول إلى كتلة خرسانية، في واحدة من أبشع جرائم القتل الأسري التي شهدتها الهند حديثاً.
وهذه الجرائم تغير المشهد العقلي الجماعي حول الجريمة في الهند. فكثيراً ما كانت المرأة تعد شخصية حميمة وسلمية “شبه إلهية”. وكان مجرد تصوّر تورطها في جرائم قتل وحشية أمراً غير متخيل. ومع ظهور هذه الجرائم، دخلت عبارات مثل “الزوجة الخطرة” و”الزوجة القاتلة” إلى الخطاب العام. وفي العاصمة، قال ضابط في “شرطة دلهي” طالباً عدم نشر اسمه، “كان هناك وقت لم تكن فيه الزوجة أبداً أول المشتبه فيهم بجرائم قتل الأزواج. أما الآن، فنحن ننظر إلى كل زاوية منذ البداية”.
الدوافع وراء القتل
يذكر الخبراء مجموعة من المحفزات الاجتماعية لقتل الزوجات أزواجهن، أبرزها العلاقات غير المشروعة، إذ ترى بعض الزوجات أزواجهن عقبة أمام علاقات الحب الجديدة. ووفقاً للمستشار العائلي أرانجاي بيشت، “هناك أسباب عدة، لكن النفسية تتغير. لقد كانت الهند مجتمعاً أبوياً يتوقع فيه من المرأة الصبر. أما الآن، فأصبحت المرأة متمكنة، لم تعُد تتحمل الإكراه”. وأضاف أن “بعض النساء اضطررن إلى الزواج من رجال لا يحببنهم، مما يجعل الطلاق خياراً صعباً قانونياً واجتماعياً.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويبدو القتل في بعض الأحيان الخيار الوحيد للهرب. كما دفع العنف المنزلي والصدمات النفسية المزمنة بعضهن إلى أعمال عنف انتقامية”. وأضاف بيشت أن “المجتمع يتوقع من المرأة أن تكون عذراء عند الزواج، وإذا لم يكُن الأمر كذلك، فإنه يولّد ضغطاً أيضاً. وفي كثير من الحالات، كان سوء المعاملة أو الخيانة من الزوج عاملاً إضافياً”.
الرجال ما زالوا يقتلون أكثر
مع ذلك، لا يمكن القول إن ظاهرة قتل الأزواج من قبل زوجاتهم تعني تراجعاً في جرائم العنف الأسري التي يرتكبها الرجال، بل على العكس، فلا تزال جرائم قتل النساء على يد أزواجهن أكثر انتشاراً، بخاصة تلك المرتبطة بجرائم المهر. وتُستخدم عبارة “جرائم المهر” لوصف الحالات التي يقتل فيها النساء على يد أزواجهن أو أفراد من عائلة الزوج، بسبب خلافات تتعلق بالمهر الذي يقدمه أهل العروس للعريس، كجزء من تقاليد الزواج الهندية.
وفي كثير من الأحيان، وبعد تسلم المهر أو في حال تعذر الحصول عليه، يلجأ الزوج إلى العنف الذي يصل إلى حد القتل، وهي مشكلة اجتماعية متجذرة في الهند. وعلى رغم أن المكتب الوطني لسجلات الجريمة لا يصنف “قتل الزوجة من قبل الزوج” كفئة مستقلة، فإن الأرقام المتعلقة بوفاة النساء بسبب المهر تعكس واقعاً قاتماً، فخلال عام 2022 وحده، سُجل مقتل 6589 امرأة نتيجة خلافات تتعلق بالمهر. وتشير الإحصاءات إلى استمرار هذا الاتجاه منذ سنوات، إذ سجلت 6795 حالة في 2021، و6966 عام 2020، و7166 خلال عام 2018، و7628 في 2016، وصولاً إلى 8331 في 2011. وهذا النمط يظهر بوضوح أن جرائم قتل الزوجات لا تزال تمثل تهديداً حقيقياً، تغذيه دوافع عدة، من بينها الشك في الخيانة أو سعي المرأة إلى الاستقلال المالي والمعنوي عن الزوج.
خلل في نظام الطلاق
مع تصاعد هذه الحالات، بدأت الأنظار تتجه إلى نظام الطلاق في المجتمع الهندوسي، خصوصاً أن معظم الجرائم وقعت داخل أسر هندوسية. وفي الهند، ينظم “قانون الزواج الهندوسي 1955” مؤسسات الزواج والانفصال والطلاق. ووفق هذا القانون، يجب أن يحصل كل من الزوجين على قرار من المحكمة لإنهاء الزواج، وهي عملية قد تستغرق أعواماً وتتطلب أدلة وإجراءات معقدة. وعلى النقيض، فإن إجراءات الطلاق بين المسلمين غالباً ما تكون أسرع وأقل اعتماداً على النظام القضائي. ويفسر خبير النزاعات الأسرية وصي أحمد ذلك، قائلاً “إذا لم تستطِع فتاة هندوسية الزواج ممن تحب، أو كانت غير سعيدة في زواجها، يصبح الطلاق خياراً شبه مستحيل. إجراءات الطلاق طويلة ومليئة بالعقبات النفسية. ربما يكون ذلك أحد الأسباب التي تدفع بعضهن للجوء إلى القتل كمهرب”.