بسبب الحر وعدد المباريات…مونديال الأندية يعيد للواجهة الجدل حول المخاطر الصحية التي تهدد اللاعبين

في السنوات الأخيرة، أصبح الموسم الكروي متواصلا بشكل شبه دائم، دون فترات راحة كافية. اللاعبون المشاركون في الدوريات الكبرى، مثل الدوري الإنكليزي والإسباني، ينهون موسمهم ليجدوا أنفسهم مباشرة في بطولات دولية كبرى مثل كأس العالم، اليورو، أو دوري الأمم الأوروبية، ليتبعها الآن كأس العالم للأندية في نسخته الجديدة.
البطولة الحالية التي تحتضنها الولايات المتحدة تُعد أول نسخة موسعة من كأس العالم للأندية، بمشاركة 32 فريقا من مختلف القارات. وبينما تُسوق الفيفا لهذا الحدث كفرصة لتعزيز التنافسية بين الفرق من مختلف القارات وتكسير هيمنة الفرق الأوروبية، ترى العديد من الأطراف أن توقيتها وظروفها غير ملائمة.
الطقس الحار في عدة ولايات أمريكية من الساحلين الشرقي والغربي أثار موجة انتقادات، لا سيما مع انطلاق المباريات في منتصف النهار من أجل تغطية الأسواق العالمية نظرا لفارق التوقيت مع آسيا وأوروبا، حيث تتجاوز درجات الحرارة 35 درجة مئوية في كثير من الأحيان.
وستظل صورة لاعبي بوروسيا دورتموند الاحتياطيين وهم يتابعون مباراة فريقهم أمام ماميلودي صن داونز من غرفة تغيير الملابس بسبب الحر المفرط، واحدة من الصور المعبرة على معاناة اللاعبين من البرمجة خلال كأس العالم للأندية.
وهاجم مدرب تشلسي، إنزو ماريسكا، منظمي بطولة كأس العالم للأندية لكرة القدم، بعد أن أدى إيقاف مباراة فريقه أمام بنفيكا في الدور ثمن النهائي لمدة ساعتين بسبب الطقس.
“بالنسبة لي شخصيا، هذه ليست كرة قدم. عُلّقت ست مباريات هنا… أعتقد أن هذا مثير للسخرية… هذه ليست بكرة قدم”، وأكمل الإيطالي قائلاً “أتفهم أنه لأسباب تتعلق بالسلامة يجب إيقاف المباراة. لكن إذا أوقفت سبع أو ثماني مباريات، فهذا يعني على الأرجح أن هذا ليس المكان المناسب لإقامة هذه المسابقة”.
“عدد المباريات وصل إلى مستوى غير منطقي. لا يمكن أن نطلب من اللاعبين أن يقدموا الأداء الأعلى كل ثلاثة أيام، ونتوقع منهم الاستمرارية على مدار السنة. الأمر أشبه بتجربة الحدود البشرية للتحمل”.
اقرأ أيضاكأس العالم الأندية: سان جرمان وريال مدريد في نصف النهائي.. فهل من خطة لإيقاف هجوم مبابي؟
الجانب النفسي للاعبين: المعاناة الصامتة
لا يقتصر تأثير كثافة المباريات على الجانب البدني فقط، بل يتعداه إلى الجانب النفسي. مع ضغوط التوقعات، وتكرار الرحلات الطويلة، وغياب الحياة الشخصية، باتت حالات القلق والاكتئاب أكثر شيوعا بين اللاعبين، رغم قلة الحديث عنها علنا.
ودعا تقرير أعدته الرابطة العالمية للاعبين المحترفين “فيفبرو” إلى ضرورة اعتماد حد أقصى للمباريات خلال موسم واحد وإقرار إجازات في منتصف الموسم وأخرى إلزامية في الصيف لحماية اللاعبين سواء تعلق الأمر بالجانب البدني أو النفسي.
وقالت الرابطة في بيان إن دراسة “ازدحام الروزنامة وحجم العمل المفرط” أجراها 70 متخصصاً يعملون في كرة القدم الاحترافية للرجال للأندية والمنتخبات الوطنية أوصت بمعايير معينة للسلامة على اعتبار أن الكرة الدولية تفتقر إليها.
وقدم التقرير 12 توصية من بينها: ضرورة إقرار إجازة إلزامية لمدة أربعة أسابيع، أسبوعان منها خلال منتصف الموسم والمطالبة بأربعة أسابيع كحد أدنى من التداريب قبل استئتاف الموسم .
وطالب التقرير بمنح اللاعبين فترات من الراحة بعد السفر لمسافات طويلة.
وحثّت الرابطة أيضا على “وضع سقف للمباريات الموسمية والسيطرة على كثرة المباريات”.
وأفاد الدكتور دارين بورغيس، رئيس غرفة الاستشارات للأداء العالي التابعة لرابطة فيفبرو ” تظهر نتائج هذه الدراسة أن هناك معايير دنيا معينة مثل الراحة الكافية بين المباريات، والإجازات المناسبة خارج الموسم، والتي تعتبر منطقية، ومتوافقة مع الأدلة العلمية، والأهم من ذلك، أنها مطلوبة بموجب معايير الصحة والسلامة المهنية العالمية”.
ونشرت الرابطة التي تتخذ هولندا مقرا لها التقرير قبل ثلاثة أيام من انطلاق كأس العالم للأندية.
كما أشار تقرير الرابطة إلى أن “ما يزيد عن 40% من اللاعبين الدوليين يعانون من اضطرابات في النوم، والتوتر المزمن، نتيجة الجدول المزدحم للمباريات.”
اقرأ أيضالماذا يستحق الدولي المغربي أشرف حكيمي التتويج بالكرة الذهبية؟
شخصيات كروية تدق ناقوس الخطر
منذ ما يزيد عن عام تعالت أصوات لاعبين ومدربين مطالبة الاتحادات المنظمة للعبة بإعادة النظر في الجدولة الموسمية للمباريات.
اللاعب الإسباني رودري المتوج بالكرة الذهبية سنة 2024، وأحد أعمدة مانشستر سيتي ومنتخب إسبانيا، عبّر بشكل صريح عن معاناته قائلا بعد نهاية موسم 2023-2024:
“لا أستطيع أن أستمر بهذا النسق موسماً آخر. لعبت أكثر من 60 مباراة خلال عام واحد، وهذا أمر غير طبيعي. حتى الآلات تحتاج إلى صيانة، فما بالك بالبشر؟”
تصريح رودري لقي تفاعلاً واسعا، لأنه يعكس حالة الإرهاق التي يعيشها اللاعبون الذين يشاركون في جميع البطولات مع أنديتهم ومنتخباتهم، دون الحصول على فترات راحة حقيقية.
من جانبه، قال المدرب الألماني يورغن كلوب، الذي ترك تدريب ليفربول قبل موسم، في إحدى مؤتمراته الصحفية: “إذا أردنا من اللاعبين تقديم أفضل ما لديهم، فعلينا أن نحترم أجسادهم. ما يحدث الآن استنزاف، لا تطوّر”
أما مدرب مانشستر سيتي بيب غوارديولا، فرأى أن المشكلة ليست فقط في عدد المباريات، بل في نوعيتها وكثافتها، مضيفاً:
“نحن نطالب اللاعبين بالتألق في كل مباراة، بينما نضعهم في ظروف غير ممكنة. الإصابات تزداد، والتعب النفسي واضح، لكن أحدا لا يصغي”
فيما نشر الدولي الفرنسي جول كوندي على حسابه في إكس قبل يومين، منشورا ينتقد فيه استمرار الموسم الكروي الحالي إلى شهر يوليوز/تموز قائلا ” بعض الفرق بدأت موسمها منتصف يوليوز 2024 .. نحن الآن في الرابع من يوليوز 2025 فيما هي تواصل المنافسة ”
اقرأ أيضاديوغو جوتا وشقيقه يواريان الثرى في مراسم جنازة حضرها الأصدقاء وعالم كرة القدم
الربح المالي يعمي بصيرة الاتحادات الكروية
تغيرت خارطة البطولات الكروية الكبرى بشكل واضح عما ألفناه خلال العقود الأخيرة، فالبطولات القارية سواء تعلق الأمر بالفرق أو المنتخبات عرفت زيادة في عدد الفرق المشاركة، وكمثال سيشهد المونديال القادم مشاركة 48 عوض 32 .
الهيئات المعنية بتنظيم شؤون اللعبة وعلى رأسها الفيفا، ترى في هذا التغيير تطويرا لهذه الرياضة الشعبية، وتبرر قراراتها بأنها تصب في مصلحة الربح المشترك بين جميع الأطراف المتدخلة.
لكن المنتقدين يرجعون الأمر بالأساس إلى الإيرادات المالية الضخمة التي تحققها الجهات المنظمة، نظرا للضخ المالي الكبير الذي تعرفه سوق كرة القدم العالمية، دون أن تضع، بحسبهم، صحة اللاعبين كأولوية في هذا التوجه، الذي يؤمن بمبدأ “مباريات أكثر…أموال أكبر”.
إضافة تعليق