“حب واحد”… صورة منقوصة لحياة بوب مارلي
<p>الممثلان كينغسلي بن أدير وشانا لينش (IMDb) </p>
يلاحظ المشاهد لفيلم “بوب مارلي: حب واحد” Bob Marley: One Love، الذي أخرجه الأميركي رينالدو ماركوس غرين، أن ثمة إصراراً للتركيز على حقبة معينة من حياة أسطورة موسيقى الريغي الجامايكي بوب مارلي.
التهميش يبدو واضحاً لكثير من مراحل حياة المغني القصيرة، وقد يكون ذلك بسبب مشاركة العائلة في الإنتاج، لعدم إظهار سلبيات الفنان ومساوئه مثلاً. فالمطلع على حياته يدرك أن علاقته بالنساء كانت ملتبسة، وربما لم تكن سوية أو واضحة، إضافة إلى علاقته غير الودية مع أولاده الـ 11 من 7 نساء مختلفات، وطفولته وعلاقته بأبيه الأبيض، وما نتج منها لاحقاً في شبابه.
في المقابل، لا يركز العمل على كيفية تبلور وعيه السياسي، وهذا أبرز ما قدمه في الفن، إذ كان المغني الجامايكي صاحب قضية وأفكار يدافع عنها ضد الاستعمار والاضطهاد السياسي والحرب.
الخروج
وهنا تبرز مشكلة السيناريو الذي كتبه تيرينس وينتر وفرانك إي فلاورز، وزاك بايلين وغرين، إذ بدا متناثراً ولا يركز إلا على سنتين من عمر مارلي بين عامي 1976 و1978، وهما السنتان اللتان قضاهما بالمنفى في لندن.
وحتى خلال هذه الفترة، لم نر كيف تحوّل من نجم محلي إلى عالمي، وكيف انتشرت موسيقاه وأغانيه وكلماته حول العالم، بعد إصداره لأبرز أعماله ألبوم “الخروج” Exodus الذي عرّف العالم على أفكار بوب مارلي.
انقسم الألبوم إلى نصفين، الأول: يضم أغنيات حول السياسة الدينية، فيما ركز الثاني على أغنيات الحب والحفاظ على الإيمان. وقد اختارته مجلة “تايم” عام 1999 كأفضل ألبوم موسيقى في القرن العشرين، وفي 2001 وضعته شبكة التلفزيون “في أتش وان” بالمرتبة 26 لأعظم الألبومات بتاريخ الموسيقى، بينما أُعيد طرحه عام 2017 بمناسبة ذكراه الأربعين عبر 4 إصدارات أصلية.
أداء جيد
من العلامات الفارقة في العمل، الأداء الجيد الذي قدمه الممثل البريطاني كينغسلي بن أدير في دور مارلي، ونجح في تقديم شخصية فيها الكثير من الانفعالات والخوف والمرض والحب.
وحاول بشكل كبير استحضار روح مارلي على المسرح من خلال الرقص والغناء والتدخين والحديث والتحكم بطبقات صوته. في المقابل، نجحت أيضاً الممثلة شانا لينش في دور زوجته ريتا، إذ قدمت شخصية مركبة فيها الكثير من التعقيدات، ما بين الولاء لزوجها وعلاقات الحب التي عاشتها وهي معه، وبين دورها كمغنية أساسية في الفرقة، وكيفية تعاملها مع كل ما تراه من أفعال من زوجها المغني والنجم.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
يذكر أن هذا العمل ليس الأول عن سيرة بوب مارلي، إذ قدم عام 2012 فيلم وثائقي بعنوان “مارلي” للمخرج البريطاني الشاب كيفن ماكدونالد، ويسرد العمل طوال 144 دقيقة سيرة النجم بشكل منظم من الولادة وحتى الموت، مروراً بأبرز فترات حياته.
واللافت في هذا العمل، إنه كان يجب أن يكون من إخراج مارتن سكورسيزي، لكنه تخلى لاحقاً عن المشروع لأسباب لم يشرحها.
“بوب مارلي: حب واحد”
يسرد الفيلم أسرار في حياة الجامايكي بوب مارلي الذي يعد واحداً من أشهر مغنيين الريجي عبر التاريخ، وتبدأ الأحداث من عام 1976، عندما يستعد للمشاركة بحفلة في العاصمة الجامايكية كينغستون هدفها معالجة الانقسامات العنيفة في السياسة الجامايكية، وقبل الحفلة أطلق مسلحون النار على بوب وزوجته ريتا، ولكن نجح الثنائي في الهروب.
ويقرر مارلي بعدها مغادرة بلاده، والسفر للعيش في العاصمة البريطانية لندن ليعيش حياة هادئة وخالية نسبياً من المتاعب، ومن ثم يجتمع مجدداً مع فرقته الويلرز، ويسجل ألبوم Exodus، الذي يحقق نجاحاً كبيراً ويتصدر المبيعات في إنجلترا، ويكون سبباً في زيادة شهرة بوب مارلي حول العالم.
ويكشف الفيلم جوانب مختلفة ومتناقضة من شخصية بوب مارلي، فهو المناضل السياسي ورب الأسرة الذي يعتمد على زوجته ريتا، لكنه ليس مخلصاً لها على الإطلاق إذ لديه أطفال من نساء أخريات، وأيضاً كموسيقي له أسلوب خاص وعقائده الدينية، وينقل العمل أيضاً كيفية تطوره إلى شخصية قائدة وملهمة لكثيرين.
شارك في العمل كلاً من الممثلين كينغسلي بن أدير، جيمس نورتون، لاشانا لينش، مايكل غاندولفيني، أنتوني ويلش، أومي مايرز، نادين مارشال، توسين كول، سوندرا أوكلي، هيكتور دونالد لويس، أستون باريت جونيور، ونستور آرون آبسيرا.
من الإيجابيات التي برزت في العمل أيضاً، العدد الكبير من الأغاني التي عرضت وكانت بجودة عالية وبصوت مارلي الحقيقي، كما قدم العمل صورة عن بوب الرياضي والمحب لكرة القدم. كما برزت لقطات الفلاش باك التي تكررت بشكل جميل وكانت لها علاقة بذكرى والده وطفولته الحزينة.
في المقابل، نجح الفيلم سياسياً في إبراز علاقة مارلي بالصراعات السياسية التي مزقت بلده خلال السبعينيات، فهو من جهة رفض تدخل الإمبريالية الأميركية واستخباراتها في بلده ومن جهة أخرى بقي على مسافة من المد الاشتراكي القادم من كوبا جارة جامايكا.
الراستافارية
لا يمكن الحديث عن الفيلم من دون التطرق إلى العقيدة الراستافارية، والتي كان لها حيز مهم في العمل. بعد زواج بوب وريتا، كانت هي التي قدمته وشجعته على الانضمام إلى العقيدة الراستافارية التي ستكون بالغة الأهمية لبقية حياته ومسيرته المهنية.
والراستافارية دين تطوّر في جامايكا في ثلاثينيات القرن العشرين، وتصنّف من قِبل معظم علماء الأديان بأنّها حركة دينية واجتماعية في آن واحد، وتتراوح تقديرات أعدادها بين 700 ألف ومليون نسمة حول العالم، كما أنّها ليس فيها سلطة مركزية تتحكّم بالحركة، لذا يتنوع أعضاؤها الذين يُسمَّون رستفاريين تنوعاً كبيراً.
وتُعدُّ ديناً أفريقياً من حيث التوجّه، فتركز اهتمامها على الجالية الأفريقية، كونها مضطهدة في المجتمع الغربي، وينادي كثير من الرستفاريين بإعادة توطين الجالية الأفريقية في أفريقيا، التي يَعِدُّونها الأرض الموعودة، حتى وصل الأمر ببعضهم أن يغلو في هذه الأفكار إلى أفضلية العرقية السوداء.
ويُسمِّي الرستفاريون ممارساتهم وشعائرهم “ليفيتي”، والاجتماعات الجماعية تُسمَّى بـ”التأسسات”. ومن عاداتهم فيها: الموسيقى والغناء والنقاش وتدخين القنب، واعتبرت الأخيرة من الأسرار المقدسة، وأنّ لها خصائص مفيدة، ويؤكد الرستفاريون على ما يُسمَّونه بالحياة الطبيعية.
نشأت هذه الديانة بين المجتمعات الفقيرة والمحرومة اجتماعياً من الجامايكيين الأفريقيين في جامايكا. فكان ردّ فعل على الحضارة الاستعمارية البريطانية السائدة في البلد آنذاك. تأثرت الرستفارية بالحركة الإثيوبية وحركة العودة إلى أفريقيا التي روجتها شخصيات وطنية من السود مثل ماركوس غارفي، ومن ثمّ تطوّرت الحركة بعد أن أعلن رجال دين مسيحيين من البروتستانت، أهمهم ليونارد هويل، أنّ تتويج هايلي سيلاسي تاج إمبراطورية إثيوبيا عام 1930 كان تحقيقاً لنبوّة في الكتاب المقدّس.
اكتسبت الحركة احتراماً متزايداً في جامايكا وخارجها بسبب شهرة موسيقيين ريغيين متأثرين بالرستفارية، أهمهم بوب مارلي، إلا أنها تراجعت في ثمانينيات القرن العشرين، بعد موت هايلي سيلاسي وبوب مارلي، ولكنّها لا تزال حيّة ولها وجود في كثير من أنحاء العالم.
أثر إيمان بوب مارلي العميق بالرستفارية بشكل كبير على موسيقاه وأعماله. وساعد في جلب الراستافارية إلى الاتجاه السائد، وكسر الحواجز المجتمعية ونشر الوعي بمعتقدات الحركة الأساسية، مثل مكافحة الاضطهاد والسعي لتحقيق العدالة الاجتماعية.
إضافة تعليق